عبد الوهاب الشعراني
367
اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )
السكران في ذلك النور وأصابه الوجد فأخذ يميل ذات اليمين وذات الشمال واستفرغه الحال وكان تمايله كتمايل السراج إذا هب عليه نسيم رقيق لا يطفئه ، وكان سبب الهيمان سماع إيقاع تلك الأقلام وصريفها . أي : صوتها في الألواح فأعطت من النغمات المستلذة ما أداه إلى ما ذكرنا من سريان الحال فيه وحكمه عليه فتقوى بذلك الحال ، فعلم أن الرفرف ما تدلى له إلا لكون البراق له مكان لا يتعداه كجبريل عليه السلام لما بلغ إلى المكان الذي لا يتعداه وقف فلو أن الحق تعالى أراد لجبريل الصعود فوق ذلك المقام لما صعد إلا محمولا مثل ما حمل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فإن عروجه إنما كان لعروج البراق بحكم التبعية والحركة القمرية وكذلك المقام الرفرفي لما وصل إلى مقام لا يتعداه الرفرف . زج به في النور فغمره النور من جميع نواحيه كما بسطه الشيخ في الباب الرابع عشر وثلاثمائة ، وسيأتي الكلام على عروج الملائكة في مبحثها إن شاء اللّه تعالى ، ثم إنه صلى اللّه عليه وسلم ، لما تقوى بالحال أعطاه اللّه تعالى في نفسه علما علم به ما لم يكن يعلمه قبل ذلك عن وحي من حيث لا يدري وجهته فطلب الإذن في الرؤية بالدخول على حضرة ربه الخاصة فرأى صوتا يشبه صوت أبي بكر وهو يقول : يا محمد قف إن ربك يصلي فراعه ذلك الخطاب . وقال في نفسه : أربي يصلي ! فلما وقع في نفسه هذا التعجب من هذا الخطاب وأنس بصوت أبي بكر رضي اللّه عنه ، فتلا عليه هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ [ الأحزاب : 43 ] فعلم عند ذلك ما هو المراد بصلاة الحق تعالى فلما فرغ تعالى من الصلاة مثل قوله تعالى : سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ ( 31 ) [ الرحمن : 31 ] مع أنه تعالى لا يشغله شأن عن شأن ولكن لما كان لخلقه لأصناف العالم أزمنة مخصوصة وأمكنة مخصوصة ، لا يتعدى بها زمانها ولا مكانها ، لما سبق في علمه ومشيئته صح قوله تعالى : سَنَفْرُغُ لَكُمْ من هذه الحيثية . أي : فإن ربك قد سبق في علمه أنه لا يجمع بين شغلين ترتب أحدهما على الآخر في آن واحد وظهر بذلك شدة الاعتناء برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، حتى يقيمه في مقام التفرغ له بحكم التنزل الإلهي للعقول فهو تنبيه على العناية به واللّه أعلى وأجل في نفس نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، من ذلك ثم أمر صلى اللّه عليه وسلم ، بالدخول لتلك الحضرة الشريفة فأوحى اللّه تعالى إليه في تلك الحضرة ما أوحى ورأى عين ما كان يعلم لا غير وما تغيرت عليه صلى اللّه عليه وسلم ، صورة اعتقاده ، وذكر الشيخ رجوعه عليه الصلاة والسلام من تلك الحضرة ومراجعته لموسى في شأن الصلوات إلى أن قال : ثم ودع